أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

61

شرح مقامات الحريري

المقامة التاسعة عشرة وهي النّصيبيّة روى الحارث بن همّام ، قال : أمحل العراق ذات العويم ، لإخلاف أنواء الغيم ، وتحدّث الرّكبان بريف نصيبين ، وبلهنية أهلها المخصبين . * * * أمحل : أجدب ، أي لم ينزل فيه مطر . إخلاف الأنواء ، يريد النجوم التي من عادتها أن تطلع بالمطر ، وأخلفت : لم تجئ بمطر . الركبان : أهل الأسفار . ريف : خصب . * * * [ مدينة نصيبين ] نصيبين مدينة ديار ربيعة العظمى ، وهي مطلّة على جبل الجوديّ الذي استوت سفينة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام عليه ، وهو جبل عال مستطيل . أبو هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « زويت لي الأرض ، فرأيت مدينة أعجبتني ، فقلت : يا جبريل ، أيّ مدينة هذه ؟ قال : نصيبين ، فقلت : اللهمّ عجّل فتحها » . قال اليعقوبيّ : هي مدينة عظيمة كثير الأنهار والجنّات والبساتين ، ولها نهر عظيم يقال له الهرماس ، عليه قناطر حجارة قديمة روميّة ، وأهلها قوم من ربيعة من بني تغلب ، افتتحها غنم بن عياض في خلافة عمر رضي اللّه عنهما سنة ثمان عشرة . قال شيخنا ابن جبير : مدينة نصيبين شهيرة العتاقة والقدم ، ظاهرها شباب ، وباطنها هرم ، جميلة المنظر ، متوسطة بين الكبر والصّغر ، أمامها وخلفها بسيط أخضر مدّ البصر ، قد أجرى اللّه فيه مذانب من الماء تسقيه ، وتطرّد في نواحيه ، وتحفّ بها عن يمين وشمال بساتين ملتفّة الأشجار ، يانعة الثمار . وينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السّوار ، والحدائق ، تنتظم حافتيه ، وتفيء ظلالها الوارفة عليه ، فرحم اللّه أبا نواس حيث يقول : [ البسيط ] طابت نصيبين لي يوما فطبت لها * ليت حظّي من الدنيا نصيبين فخارجها رياضيّ الشمائل ، أندلسي الخمائل ، برق نضارة وغضارة ، ويأتلق عليه رونق الحضارة . وداخلها شعث البادية بادية عليه ، فلا مطمح للبصر إليه ، لا تجد العين